Matug Aborawi

jueves, 10 de septiembre de 2026

سرادق:كشف الذات



 

فلسفياً، وتماهياً مع ما يراه غاستون باشلار¹ من أن الرسم "هو إعادة بناء للمكان عبر خيال الذاكرة"؛ فلا يولدُ الإبداعُ البصريّ في نظري من رصدٍ آلي للأشكال، ولا هو لعبةُ ظلالٍ عابرة، أو احترافيةٌ باردة تُحاكي القوالب الكلاسيكية المتقنة؛ فليست كلُّ ريشةٍ تلامس الألوان قادرةً على سبر أغوار التشكيل، فالفن في جوهره سيرةٌ ذاتية تُكتب بنور الروح، وتقطيرٌ لجوهر الوجود.

فإن الفنان هو ذاك الذي يقف على مسافةٍ واعية من التاريخ الجمالي، لعلمه أن السير في دروبه العمياء ليس سوى إعادة تدويرٍ خامله للفنون الأوروبية. إنه يخوض التحدي والمجازفة باعتبارهما خياره الوحيد لإنقاذ هويته، واكتشافِ كينونته فوق "فضاءِ السطحِ الأبيض"، متسلحاً بعمقٍ معرفيّ وتصورٍ فكري يَبثّان الحياة في جسد المادة الصامتة؛ واستئناساً بمقولة أبي حيان التوحيدي² "بأن التشكيل هندسةٌ روحية تتبدى بآلةٍ جسدية"، ينبثق من خلال التقصي التجريبي واليومي خطابه المغاير وطرحه المبتكر، ليمسّ الأسلوب والمفهوم في آنٍ واحد.

وما هذا المنجز الذي ينام بين أيديكم الآن إلا محاولة جادة في التقصي والبحث الفكري، وقلق بصريّ وادع؛ إنه خلاصةُ ترحالٍ إنساني وبحثٍ أكاديمي طاف الآفاق ليتلمّس حلولاً بديلة تنأى بنفسها عن الاستنساخ الجاهز. تجربةٌ تتقاطع في عمقها مع رؤية الشيخ الأكبر ابن عربي³ "بأن الفن كشفٌ لباطن الوجود لا محاكاة لظاهره"؛ لذلك جاء يرتوي من ينابيع ثقافةٍ ممتدة بين القارات، مدفوعاً بشغف المعرفة ومَدِّ جسورها.

ولأن الفن لا ينفصل عن منبعه الأول، فإن خروجي إلى آفاق الحداثة المعاصرة لم يكن قطيعة مع الجذور، بل كان تفعيلاً لها; فكلما توغلت في محارف إسبانيا الفنية، وجدتني مسكوناً بطفولتي البِكر، مأخوذاً بالحنين إلى ضيعتي؛ مسقطِ رأسي ومرتعِ طفولتي "القره بوللي"  وبحرها الساحر الذي صقل مخيلتي.

هناك، حيث تفتّحت عين الحكاية.. كنتُ تلميذاً غريراً تسرقه حصص التلوين، وتدفعه دهشته الأولى ليخربش أحلامه على جدران الزمان العتيقة، مداعباً الألوان فوق رمال الشاطئ تحت شمسٍ لا تغيب، وإن توارتْ.. تسربلَ ليلُ البحرِ بمجراتٍ فضيةٍ غامرة.

أذكر جيداً كيف كنتُ أحمل شمس ذلك المكان وألوانه الصافية في حقيبة روحي، لأبذرها في أزقة غرناطة الضيقة وهي تتنفس صقيعها، معيداً غزل خيوط الحنين، ومحاولاً بمخيلتي صهر صبوتي الأولى في حاضري الإسباني؛ لتغدو اللوحة هي "البرزخ الشاعري" الذي يلتقي فيه موج صباي ليسكن إلي شواطئ الأندلس في قاديش، وسالوبرينا، ونرخا.

لقد تنقلتُ في حواضر الفن الإسباني؛ من مدريد وبلباو إلى برشلونة وفالنسيا، لكن "غرناطة" وحدها كانت النداء الروحي والمرفأ البصري الأوحد. لم تكن مجرد محطة أكاديمية عابرة في كلية الفنون الجميلة بجامعتها العريقة، بل غدت "الملاذ الروحي" الذي منه انطلقتُ، والبوصلة التي إليها ألوذ.

فكلما أخذتني الأسفار وأبحرت بي الفرشاةُ، وجدتني أحنّ إلى تفاصيلها ونورها; كنتُ أستحضر فضاءها وأنا أخطّ ملامح لوحاتي في أمريكا اللاتينية بين المكسيك والأرجنتين وفنزويلا، وأستدعي ظلالها الدافئة وأنا أقبض على الضوء الهارب في محطاتي الأوروبية الشمالية بين هولندا وبلجيكا والنمسا. لقد كانت المستقر والمختبر الذي تبلورت فيه الرؤية، وامتزجت فيه أصالة الجذور الليبية والجنوبية بآفاق التشكيل المعاصر.

من هنا، أحسب هذا العمل بمنزلة بانوراما حسية شاملة؛ فضاءً يجمع شتات كتبي وإصداراتي البصرية التي ولدتْ من رحم المعارض الشخصية؛ تلك التي عشتُ تفاصيلها بوجداني ووعيي عبر السنين، حيث كان كل منجز إبداعي منها يمثل مرآةً لفترةٍ حياتية وفنية عشتها بكامل جوارحي.

يتدفق هذا الكتاب ليروي تلك الحكايات البصرية فصلاً بعد فصل: بدءاً من التفاتتي الإنسانية الموجعة حول "المهاجرين الأفارقة بقوارب الموت"، ومروراً بـ "الربيع العربي"، والنزوع نحو الأفق الحالم في "الجنوب والحلم"، والتحليق الحر "خارج النص". ثم تأتي المحطات الوجدانية الكبرى لتسرد "أحلامي في غرناطة"، والانتقال الشغوف "من تاسيلي⁴ إلى المكسيك"، ومراقبة الزمن والوجود "من طلوع الشمس حتى الغروب"، وصولاً إلى تتويج هذه المسيرة بمعرِضين منفصلين خُتم بهما هذا الترحال البصري، وحمل الصدى معهما كتاب "سرد" بنسختيه الأولى والثانية.

وفي كل تلك البلاد والمراحل الغارقة في الهويات والأساطير والألوان، كانت اللوحة ساحة لالتقاء الأرواح، تعكس خبرة الترحال وتعدد المرافئ، لكنها كانت دائماً تُمهَر ببصمة ذلك الملاذ الغرناطي الأول، لتصهر تلك الأعمال المتباعدة في أثر واحد يختزل عمراً من التشكيل والتأمل.

يختزل هذا السِّفْرُ شتات تلك المراحل المتشابكة؛ لتعود هذه الطيور المهاجرة كلها في النهاية إلى عشّها ومبتدئها الأول، هنا في طرابلس، حيث بدأت الحكاية وحيث أمسك بشيء من الحلم.

إنها دعوة دافئة للقارئ والمتأمل ليعبر معي هذه الجسور البصرية، لتبقى شاهداً حياً على أن الفن هو اللغة العالمية الوحيدة التي تعيد صياغة العالم بألوان الحرية.

 

معتوق أبو راوي

كُتِبَ بالقره بوللي، صيف 2026م

……………………….

 ¹ غاستون باشلار (1884-1962): فيلسوف وشاعر فرنسي، عُرف بأطروحاته حول الخيال الإبداعي وفلسفة المكان بوصفه مستودعاً للذاكرة والأحلام.

 ² أبو حيان التوحيدي (923-1023 م): فيلسوف وأديب من أعلام العصر الذهبي للإسلام، تناول الفن والكتابة بوصفهما انعكاساً للهندسة الروحية.

 ³ ابن عربي (1165-1240 م): الفيلسوف والمتصوف الأندلسي الشهير بـ "الشيخ الأكبر"، تقوم فلسفته على فكرة الكشف لمعرفة بواطن الوجود الإلهي والكوني.

 ⁴ تاسيلي: هضبة صحراوية شاسعة ممتدة بين ليبيا والجزائر، تشتهر بكونها تضم واحدة من أهم وأقدم مجموعات الفنون والنقوش الصخرية في العالم.