Matug Aborawi

jueves, 22 de octubre de 2026

هل سنقرأ عن معتوق أبوراوي الانسان ، لا الفنان وحده ؟



هل سنقرأ عن معتوق أبوراوي الإنسان، لا الفنان وحده؟


مقالة لا تكتفي بوصف لوحاته والإشادة بتجربته، بل تحاول أن تعبر إلى الجهة الأخرى من الصورة، حيث يقيم الإنسان الذي لا نعرف عنه إلا ما يسمح لنا برؤيته؟

عن نفسي، عرفت معتوق بعد ما غادر مسقط رأسه، مدينة القره بوللي الساحلية، متجهاً إلى طرابلس محملاً بأحلامه وشغفه، باحثاً عن كلية حديثة التأسيس سميت حينها كلية الفنون الجميلة والتطبيقية، ولاهثاً خلف الفن ليروي عطشه. منذ المصافحة الأولى له، استوقفني القلق في عينيه؛ قلق لم تستطع ابتسامته، التي تتكرر في الصور، أن تخفيه تماماً. ومنذ ذلك اللقاء، ظللت أراه حاضراً في ملامحه، كأنه شيء يسكنه ولا يستطيع الفكاك منه.

ثم رحل معتوق ببعثة دراسية إلى إسبانيا، بلد غويا وبيكاسو ودالي. لكنه لم يجد نفسه في برشلونة، بما لمسه من تعصب أهلها واختلاف لغتهم، ولا في مدريد بتحفظ ناسها رغمطيبتهم، وبالرغم من إتقانه للغة القشتالية (Castellano) إلا أنه اختار مدينة غرناطة لتصبح بلده الثاني، حيث وجد في طبيعة الناس، وترحابهم، وانفتاحهم، ومشاركتهم تفاصيل الحياة اليومية شيئاً يشبه البيئة التي خرج منها؛ هناك لم يكن غريباً تماماً.

التقيته مرتين أثناء إقامتي الطويلة في إسبانيا؛ الأولى في العاصمة مدريد، حين أقام معرضاً، والثانية في غرناطة، حين كنت في زيارة عائلية للمدينة ولقصر الحمراء. زرته فدعاني إلى فنجان قهوة في قلب المدينة القديمة، في ميدان صغير يسميه أهلها (بالرملة)، أي ابن الرملة. كانت جلسة عابرة في ظاهرها، بالرغم من كوب القهوة بالحليب والسيجارة التي لفها لي خصيصاً من كيس تبغه، لكنها أعادت إلي السؤال الذي رافقني منذ لقائنا الأول: ماذا يحمل هذا الرجل في داخله؟

ظاهرياً، لم تشهد لغة معتوق التشكيلية تحولات جذرية؛ بقيت ألوانه وضربات فرشاته وتخطيطات أقلامه امتداداً لتجربته، صقلتها السنوات والخبرة. لكن التحول الأهم كان في المضمون، في الحكايات الإنسانية الثقيلة التي أخذت تسكن لوحاته: قوارب المهاجرين، والغرق المتكرر، والأحلام التي تنطلق بحثاً عن حياة أفضل ثم تنتهي في قاع البحر. لم تعد العناصر مجرد أشكال مرسومة، بل صارت تحمل مصائر بشر، وأسئلة عن عالم يدفع الإنسان إلى المخاطرة بحياته كي يعثر على حياة أخرى.

لن أكتب مقالة نقدية عن معتوق، ولا عن البناء التشكيلي أو التكوين أو اللون في لوحاته، ولن أمارس النقد الشكلي (Formal Criticism) الذي يصف ما تراه العين.

ما أنتظره هو من يحاول بمقالة أو دراسة نقدية قراءة المسافة بين معتوق ولوحاته: هل ثمة صلة بين القلق الذي ألمحه في عينيه، والعالم المأساوي الذي يستحضره على سطح أعماله؟ وهل يمكن أن تكون اللوحة، أحياناً، طريقة الفنان في قول ما يعجز عن قوله مباشرة؟

أريد من يقترب من شخصيته المركبة (والتي غالباً ما تكون لدى المبدعين) دون أن يدعي امتلاك مفاتيحها؛ من يتأمل ميله إلى الحرية، وحبه للوحدة، وعدم اختياره تكوين أسرة، وتربيته للكلاب، لا بوصف ذلك مجرد عادة اكتسبها من المجتمع الإسباني، بل أسئلة تستحق الفهم: هل يجد في الوفاء الذي تمنحه الكلاب ما يفتقده في العلاقات الإنسانية؟ وهل كانت استقالته كدكتور وأستاذ للرسم والتصوير من كلية الفنون، ومن شعبة الرسم والتصوير، خطوة نحو التحرر من قيود الوظيفة، أم بحثاً عن مساحة أوسع لحياته وفنه؟ لا أملك إجابات، ولا أريد أن أفرض عليه تفسيرات نفسية (Psychological Interpretations) لم يقلها هو بنفسه. لكنني أرى أن هذه الأسئلة تستحق أن تُطرح، وأن تظل مفتوحة أمام قارئ يحترم الفنان الإنسان ولا يحوله إلى حالة جاهزة.

في يوم السبت 24 أكتوبر، تقيم دار الفنون معرضه المعنون "سرادق: كشف الذات" (MORADAS: Desvelamiento del Ser). فهل يكون المعرض مناسبة واختباراً لكتابة مختلفة من القلة التي تكتب عن الفن والنقد، كتابة تحاول الاقتراب من معتوق الإنسان خلف اللوحة، أم سنشهد من جديد مقالات احتفائية مكررة، تتبدل فيها أسماء الفنانين وتبقى العبارات نفسها، وكأن النقد صار قالباً جاهزاً لا يحتاج إلا إلى اسم جديد؟

سأنتظر معكم تلك المقالات والدراسات النقدية. لا أبحث فيها عن مديح لمعتوق، ولا عن تحليل نفسي متعجل، بل عن قلم يمتلك الشجاعة والمعرفة والحساسية للاقتراب من تجربة إنسانية وفنية لا تختصرها الألوان ولا السيرة الذاتية.

فالفنان لا يسكن لوحته وحدها، أحياناً يسكن أيضاً ما يخفيه عنها. فهل سنجد من يكتب عن معتوق أبوراوي المبدع، ويقترب أكثر من الفنان القلق، أم سنظل نرى اللوحة ونغادر، تاركين صاحبها وحيداً مع أسئلته؟

د. صلاح الشاردة